أدب

قصة قصيرة بعنوان رسالة من اطلال أحلام

قصة قصيرة بعنوان رسالة من اطلال أحلام

لـ دكتور علي أحمد باقر

المنظر العام : سرير بجانب الحجرة التي بالكاد بقي عليها اثاث و ربما دهان الحائط كان من لونه ربما اخضر !!!

ويرقد على السرير طفل لا يبلغ من الأعوام الا القليل منها وباقي الحجرة مبعثره وكأن من بقايا زلزال .

فتحت عيني واذا ببصيص اشعة الشمس تدخل في الحجرة التي تصارعت مع الزمن فخلف عليها شقوق واوهان .... واتذكر ما جرى من امر كانت محركة لديدان الأرض لياكلوا كما لو انهم يأجوج ومأجوج ....

( ينهض الطفل ) لا اجيد سوى البكاء والألم .... ( يمسك رأسه بقوة ) رأسي حلبة تتصارع بها الأمور والذكريات والانتقام ....

( صوت تغريد )

لما هذا التفاؤل من العصافير؟ ....

الم تكن هي من شاهدة على هول المصيبة ....

الفقر ... الفقر ... الجوع ... الحرمان .... اليتم ..... الانتقام .... القتل .... العفو .... القصف .... الدمار.... الانتقام .... العفو .... الانتقام .... العفو .....

كفى .... ارجوك ... ما احلى الموت .... او النوم الذي لا حياة فيه ....

اليأس .... الخوف ... الامن ....

اين هو الامن ؟

هل الامن بتغريد العصافير ؟( قالها متعجبا )

ام لعل الامن في توقف القصف هذا الصباح ...

بالأمس القريب .. او هذا الأسبوع ... كان لي جار ودوود يسأل عني ويعطني بعضا من الطعام .. ...

للأسف لان الامس لم يكن رحيما معي ....

فقد سقط قذيفة على بيته ولم ينجو احد .....

الصمت يملأ المكان دوما صوت ... فقط رائحة الدخان ...

خطوات من الموت ... لكنه ... يقفز عني كانني خطر ....

سمعت عن الكوليرا ... ولا اعرفها ... الا انه احد طرق الموت ... اين هي حتى استريح

عبثت بكل مخلفات القنابل ... لكني لم اموت .... انا لست طرف في ثورة الصراع على السلطة .... انا مجرد انسان يبحث عن الخلاص من شضايا الخلاف والقتل ....

بالأمس الغير قريب كان الصراع من اجل العدل والمساواة ... هذا ما عرفته من ابي .. ولكن عرفت بان اهل السطلة استخدموا كل آلات الحرب ... منها ما يمتلكون ومنها وما يمتلك الجيران ... كل ذلك بما يسمى شرعية ....

انا من ....

انا لست سوى طفل يبحث عن ابيه بين الركام .....

... مع بداية الصراع فقدت أمي واخي واختي ... والكثر من جدران بيتي .... الا ان ابي إعادة لي الامل في ما بقي من بيتنا ....

وما هي الا أيام او أسابيع او اشهر لكنها عندي سوعيات ... وراح ابي ...

لم أشعر باليتم مع رحيل امي او اخوتي ... او حتى الكثير منجدار بيتي ....

لكني شعرت به عندما انهار ابي وخارت قواه في لعبة كانت من الموت ولكن بيد الأعداء ...

منهم الأعداء ؟ ( يتسائل )

هم اهلي .... ام قريتي ... ام ابي ... ام من يلقي القذائف كل حين على بلدتي ......

قد حرمت من مدرسيتي

وحرمت من حارتي ....

وكذا احبتي وزملائي ...

حتى عائلتي واقربائي ....

على من الثأر ؟؟

هل على ابي .... او على بلدتي ... على وانا ذو أعوام لم اتخللها في بذنب لهم بي علي في شيء

كيف سيكون الانتقام ........! ( قالها متعجبا )

الموت لعبتهم .... ساقوها علينا دونما رحمة او حتى شفقة ....

كأني اشتاق ان أرى في عيونهم دموع ... ولو حتى دموع التماسيح ....

لم أرى منهم سوى الكبرياء والقوة والجبروت ....

اين انت يا ابي ... ( يبكي )

ملل من هذا الحال كل يوم وانا ابكي ... فمن يمسح دمعتي ....

( يتحرك ويخرج من الغرفة الموحلة )

ويمشي بالطريق ويغمض عينة ويحرك قدم ويحسب الأخرى وهو يردد ... اين انت يا ابي ... ليت الموت اعدمني الحياة ....

وبنما هو في ذلك الحال واذا بهزت أرضية اسقطته ارضا واثارة موجة غبار ......

يتلوى من على الأرض وويبعد بيدية الصغيرة ما سقط عليه من تراب .... وهدأ الوضع وسكت الأصوات الا من صوت ضئيل من ذلك المكان ....

كنت بالأمس أخاف من ذلك المكان .... يشير يبديه نحو المكان ... نعم أخاف من ذاك المكان الملئي باشخاص كان يسميهم ابي عجزه ومعاقين ... فهم لسوا مثلنا ... لديهم ارجل او ايدي ...

أخاف من ذاك المكان .....

أصوات آهات دونما مجيب

يهرول خائفا وعائدا الى ما تبقى من بيته ....

يلوذ بما تبقى من غطاء السرير ويغمس نفسه حتى يموت او ينام عله يستيقض من هذا الحلم البغيض ......

وتمضي الساعات وعمت الصمت ارجاء الأطلال .... لم تعد هناك اهات او انفاس ....

وهرب الشمس من استحت على ماجرى تحت شهادتها وغارت خلف الظلام .....

السماء موحشة ... مليئة بالنجوم.... كأنها عيون ... تنظر الي ما أحال الاطلال الى خرائب ...

بدأ المسير وغادرت السرير وانا اجول بين ما بقي من بقايا وطن .... قلت في نفسي لما أخاف من المعاقين ...

انا رجل ... انا بطل ... فالموت خائف مني فما البقاء والانتظار الا مرض

اتجهت الى ما تبقي من كومة الحجارة في بيت المساكشن المعاقين ... ..

فجأ

سمعت احد ينادي هل من مغيث .....

فردت والصوت وقلت وهل انت شبح ( قلتها خائفا )

فقال ما انا الا عاجز عن الحراك او حتى الألم ...

دنوت منه فوجت أمرأة مبتورة اليدين والساقين ولا يدل على انها أمرأة الا حجابها ....

قالت لي : اقبل يا بني ... فما انا الا ضحيت هذه القذائف والقنابل ... انا ضحيت ثورة لم اكن طرفا بها .....

دارت بي الأرض وضاقت بما رحبت فانا كمن في كوكب ليس فيه سوى انا وامي ....

كأني أرى امي قد بعثت من القبر حال خوف الموت مني ...

ارتميت في احضانها اقبلها وأقول امي .. امي ... امي ...

بادلتني البكاء والعويل وقالت بني حبيبي ...

قلت وهل انت امي ....

كاني اغازل القدر ....

قالت لي : كان لي ولد وسقط في حبال الموت هو وابيه وبيتي وساقوني الى دار المساكين دونما يد او حتى ارجل بها اسير ...

قلتها ودوعي تسقط : انا ولدك وانت وامي

فقالت بني حبيبي ساعدني بالزحف من هذا المصير ...

وبينما انا اسحبها لادنوا من سريري الموجود هناك على قارعة الطريق بعد سقط ما تبقى من سور حجرتي القديم ... واذا بها تبكي وتقول من يمسح دمعتك إياه الغلام الجميل .... ليت لي أصابع امسحها عنك ...

بني ( قاتلها )

توقفت على المسير والسحب

نعم امي

قالت : اتركي ... في هذا الطريق لعل طائرة تسقط عليه الموت فاريحك من اعالتي واستريح ...

قلت لها الله اعادة لي امي ...

لما ابقى في الحياة بعدكي

استأنف سحب السيدة الى ان اوصلها على سريره وهو يقول انت امي ولن امضي دونما رعايتك ....

وتمضي الأيام وهما بين القصف والقنابل

وكيف يأكلون .....

يال العجب انه يجول يميا بين ما تبقى من اطعهم بين ركام المنازل المحطمة .... يا لها من لعبة الموت ....

وعلى آخر ما تبقي من عشاء وبعد ان اصيبت هي بالكوليرا هربت الشمس واودعتهما في ليل وسواء واذا بالسيدة تقول له ...

بني ....

ادنو مني ....

اكتب ما لاقيت ولاقينا لعل من يجدنا يوقف هذه الحرب ........

وبين ما تبقى من رفرفت الطيور من بعد رحيها كانت هذه ارسالة هي ما قرأتها بعدما وجدنا نحن هيئة الإغاثة طفل ميت وبجانب سيدة معاقة ميته

وبعد .....

الى متى الحروب والدمار ......

الى متى رسالة مفتوحة علها تجد من يهتم ...


رجوع